التحقيقات التربوية

حوادث المعلمات.. الضحايا في ازدياد!

على الرغم من عدم وجود رقم دقيق يحصي أعداد الحوادث أو الوفيات الخاصة بالمعلمات اللاتي وقع عليهن حوادث في أثناء ذهابهن إلى مدارسهن، إلاّ أن الدراسات تشير إلى وقوع نحو (150) حادثا توفيت فيه معلمات أو أصيبن إصابات خطيرة خلال عام واحد.

وأشارت دراسة أخرى إلى أن نحو (56%) من مركبات النقل الخاصة بالمعلمات غير صالحة، وأن (22%) منها تجاوز عمر الإطار فيها أربعة أعوام، وبلغت المركبات المفحوصة بشكل دوري (86%)، وتؤكد دراسة حديثة أخرى أن (57%) من مجموع حوادث السير تقع على موظفين في دائرة وزارة التعليم، ويعود السبب إلى بُعد مناطق العمل، كذلك سُجّل (35%) كوفيات لمعلمين ومعلمات.

وتُعد حوادث المعلمات من أخطر المشكلات التي تواجههن، ما يتطلب وجود حلول سريعة أو على المدى البعيد، لضمان سلامتهن، ولأدائهن أعمالهن بشكل إيجابي، من خلال العمل على التعيين على الرغبة الأولى، وكذلك وجود شركات نقل خاصة للمعلمات تابعة لوزارة التعليم، إضافةً إلى توفير سكن ملائم قريب من المدرسة يحوي كل ما تحتاج إليه المعلمة من مستلزمات معيشية، وفي هذه الحالة لا تكون هناك حاجة إلى التنقل اليومي الشاق، أمّا على المدى البعيد فإنه من الأفضل تجهيز شبكة طرق حديثة تربط هذه القرى والهجر بالمدن.

رحلة القلق

وقالت “أم فاطمة” معلمة: نعيش قلقاً نفسياً كبيراً ناتجاً عن بعد المسافة، إذ نقطع في الحافلة الكبيرة مئات الكيلو مترات ذهاباً إلى العمل وعودة منه، وتكون رحلتنا في الحافلة خمس ساعات، وليس معنا إلاّ سائق واحد، وإن تعطلت بنا الحافلة – وهو ما يحصل في بعض الأحيان – نصل متأخرين، ونعاني جداً في الطريق الذي يعد مقطوعاً والحركة فيه قليلة، خصوصاً في أوقات الليل المتأخرة، مضيفةً أن هناك صعوبات على الطريق، منها الطلب بإحضار تعريف يثبت أن السائق يعمل لديهن، مبينةً أن هذا إجراء قانوني يقوم به أمن الطرق، إلاّ أن ذلك يعد من الأمور التي تأخرهن في الطريق، ذاكرةً أنهن يتعطلن أحياناً أكثر من ساعتين، إذ يطلب التعريف بعمل السائق من إدارة التعليم، مشيرةً إلى أن رحلة القلق تتكرر في كل أسبوع ل (34) معلمة في نفس الحافلة الكبيرة!.

وأشار زوج المعلمة أم فاطمة إلى أن هناك كثيراً من المعاناة النفسية للعائلة التي تعمل الأم معلمة، وأحياناً لا يمكن رؤية زوجته مدة شهر، مضيفاً أن قلق الزوج يزداد إن كانت زوجته تقطع المسافات البعيدة جداً في طرق غير جيدة، مُشدداً على أهمية الابتعاد عن الحلول التقليدية التي تعبنا من تكرارها.

وضع مُتعب

وذكرت عائشة – معلمة – أن المسافة التي تقطعها في كل أسبوع ما كانت لتقطع لولا الصبر وخدمة الوطن، مضيفة أنها تعمل في حفر الباطن في موقع يبعد عن منزلها نحو (580 كم)، ولها صديقات توفين أو أصبن في حوادث سير، مبينةً أن الوضع النفسي للمعلمة مُتعب، فهذه “المشاوير” البعيدة جداً تجعل المعلمة غير قادرة على تلبية متطلبات التعليم المثالي، مُشددةً على ضرورة إيجاد حلول لتستقيم العملية التعليمية، ذاكرةً أنهن عندما يخرجن من المنزل يوم السبت يصلن فجر الأحد للسكن، ثم يرتحن أكثر من ساعة ونصف ثم يذهبن إلى المدرسة، لافتةً إلى أن جدول التدريس مزدحم جداً، ما يجل من شرح المعلمة غير جيد.

وأضافت: ندخل في مشادات مع المديرة، إذ نطلب بأن يكون عملنا يوم الخميس من الحصة الأولى إلى الرابعة حتى نتمكن من اللحاق بالحافلة والسفر، وعادةً ما يكون ذلك اليوم مقلقاً، حيث يشرحن الدروس بشكل سريع.

شركات نقل

واقترحت زينب عباس – معلمة – سلسلة حلول يمكن أن تحل مشكلة المعلمات اللاتي يعملن بعيداً عن أسرهن، منها النقل على الرغبة الأولى، وتوظيف بنات القرى والهجر من الجامعيات، وكذلك تمهيد وتعبيد الطرق المؤدية إلى المدارس، ووجود شركات نقل خاصة للمعلمات تابعة للوزارة، إضافةً إلى انتهاء دوام المعلمة المتنقلة بانتهاء حصصها تفادياً لخروجها مع زحام الموظفين، وتحديد مدة اغتراب المعلمة بسنتين كحد أقصى، إلى جانب إعطاء المديرات صلاحية تعليق الدراسة في حالة سوء الأحوال الجوية، مضيفةً أن عدم توافر الظروف المريحة للمعلمة ينعكس سلباً على العملية التعليمية، فبعد إرهاق الطريق الجسدي والنفسي بسبب كثرة الحوادث وسوء الطرق لن تكون المعلمة مهيأة لإعطاء الدروس بالشكل المطلوب.

خبرات سابقة

وأوضحت المعلمة أم أحمد أنها تعينت بمكرمة من الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – ويفترض أن تضم لهن خبراتهن السابقة، ما يعني أنها تعمل في التعليم منذ أربعة أعوام، بيد أن ما يحسب لها عام فقط من الناحية النظامية، مؤكدةً أنه في حال ضمت خبراتهن السابقة سيستفدن منها في المفاضلة التي يتم بموجبها النقل من مناطقهن البعيدة، مضيفة أن المفاضلة التي وضعت في الاستبيان عليها استفهام كبير، فإن كان زوجها ليس موظفاً في التعليم لا ينطبق عليها حركة لم الشمل، مشيرةً إلى أن راتب المعلمة المغتربة يُستنزف، ولا يبقى منه سوى (45%)، حيث يذهب على المواصلات والإيجارات التي ترتفع بشكل استغلالي.

مهارات تعويضية

وتحدث د. مهدي الطاهر – اختصاصي نفسي بجامعة الدمام – قائلاً: من المهم مراعاة الجانب النفسي، فالمجتمع بحاجة ماسة للمشاركة النسائية في بناء تطوره ودعم تنميته وتقدمه، مضيفاً أن خروج المرأة المنظم والمدروس وممارستها دور العطاء بكل صوره خارج المنزل لا يؤثر سلباً في تنشئة طفلها إذا ما توافر البديل المناسب أثناء غيابها، مبيناً أن بعضهم يرى أن هذا الدور ترك لممارستها التعليم لساعات طويلة تقضيها خارج المنزل، وهو ما يحتاج إلى علاج مناسب باختلاف الحالات، ذاكراً أن خروج الأم غير الواعي يولد حالة من الحرمان لدى أطفالها بصوره المختلفة العاطفية والنفسية، وقد يمتد الأمر إلى ظهور اضطرابات شخصية تتمثل في الخوف والخجل والإنطواء والتردد وضعف المشاركة الاجتماعية.

وقدّم حلولاً تساهم في التخفيف من آثار الغياب، منها تنمية مهارات تعويضية للأم، تساهم في زيادة وعيها والبدائل التربوية وما تحتاج إليه من مهارات في التربية والرعاية والاهتمام والمحبة، حتى تتمكن من تقليل فترات الحرمان، وكذلك توفير دور حضانة متخصصة ذات كفاءة عالية تهتم بشمولية حاجات الأطفال وترعاهم وتؤمن لهم مصادر المعرفة والقيم، وبناء الممارسات الأخلاقية الحميدة والتفاعل والمشاركة الاجتماعية والسلوك التربوي المناسب، إضافةً إلى إجراء دراسات دورية تشمل المعلمات وأسرهن، وذلك للوقوف على الآثار السلبية قبل تفاقمها، إلى جانب وضع الحلول العلاجية المناسبة التي تتعلق بالأم أو أفراد أسرهن أو المؤسسات المجتمعية ذات العلاقة.

تعيين قريب

وأوضح حسين الحاجي – اقتصادي – أن وزارة التعليم مطالبة اليوم أكثر من ذي قبل بوضع حلول جذرية ونهائية لهذه المشكلة العالقة التي حصدت الأرواح البريئة، مضيفاً أن الحل المهم الذي يأتي في المقدمة هو المتعلق ببعد المسافة بين مقر التعيين والإقامة الدائمة الذي يترتب عليه في أغلب الحالات غياب الأم عن الزوج والأبناء أيام وأسابيع، مضيفاً أنه يرافق ذلك حالة قلق وخوف وترقب تنتاب أفراد الأسرة، خصوصاً المعلمات اللائي يسلكن بشكل يومي الطريق ذهاباً وعودة، مبيناً أنه لا خيار للخروج من هذا المأزق سوى التعيين والتوظيف في نفس المناطق القريبة، ولاشك أن التعذر هنا وارد، وبالتالي يجب أن يقابله تأمين وسيلة نقل وسكن حكومي جيد ولائق يخصص للمعلمات، وبالذات في المناطق النائية.

تضرر الأسرة

وأشار سعيد العبكري – أخصائي نفسي – إلى أن الصحف ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي باتت ومنذ سنوات تقوم بعرض الحوادث والصور التي تتعرض لها المعلمات المغتربات، مضيفاً أن المعاناة لا تنحصر فقط على المعلمات بل على الأسرة، متسائلاً: كيف نتخيل وضع الأسرة النفسي من دون الأم؟، هل في متابعتها لهم وهي بعيدة؟، أم في قلقهم وتوترهم عليها وهي في منطقة نائية وتسلك طرقاً خطيرة؟، كيف سيصبح وضع الزوج؟، وهل بإمكانه أن يلعب دور الأم أم لا؟، مبيناً أنه من الصعب جداً أن يتم سير البناء النفسي بشكل صحيح ومتوازن للزوج والأبناء من دون والدتهم البعيدة، فهم على صراع بين قدومها وإقبالهم على كل شيء، وبين نفورهم حال عودتها لمكان عملها الشاق البعيد، وكما لا يخفى على الجميع أثر الضرر النفسي لحالات تقلبات المزاج شبه الدائمة والمستمرة لهم.

معوقات مستمرة

ورأى د. باسم أبو السعود – أستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن – أن معاناة المعلمات تستمر على الرغم من كل الوعود التي تقطع سنوياً للتغلب على هذه المشكلة، إلاّ أن المعوقات وكما يبدو لا تزال مستمرة وتحد من كل الجهود المبذولة، مضيفاً أنه وفي حالات كثيرة يكون مقر السكن للمعلمات بعيداً جداً عن مقر المدرسة، وتكون الطرق للوصول إليها وعرة، ما قد ينتج عنه حوادث مؤسفة، فضلا عن السائقين غير المؤهلين أصلاً، أو الذين قد لا يكونون على القدر الكافي من المسئولية، مبيناً أن هذه المشكلة تعانيها بشكل خاص المعلمات اللائي يتم تعيينهن في قرى وهجر نائية، وحيث إن حق التعليم مكفول للجميع فلابد من التفكير في اتخاذ إجراءات تنظيمية للحد من مثل هذه الحوادث المؤسفة، وتوفر بيئة تعليمية صحية تمكن المعلمات من أداء مهامهن على أتم وجه.

توفير سكن

وقال د. أبو السعود: للتغلب على هذه المشكلة يجب أن تكون هناك حلول سريعة وحلول على المدى البعيد، فعلى المدى القصير قد يكون من الأفضل أن يتم التعيين في الهجر والقرى النائية مقتصراً على المعلمات اللاتي يكون مقر إقامتهن الرئيسي هو أقرب مدينة لهذه الهجرة أو تلك القرية النائية، وأن يتم توفير سكن ملائم قريب من المدرسة يحتوى على كل ما تحتاج إليه المعلمة من مستلزمات معيشية، وفي هذه الحالة لا تكون هناك حاجة للتنقل اليومي الشاق.

مضيفاً أنه من المهم التعاقد مع شركة نقل خاصة تمتلك وسائل نقل حديثة وسائقين مؤهلين لنقل المعلمات، مبيناً أن هناك بعض القرى والهجر تكون في مناطق جبلية وعرة جداً، وهنا لابد من الاستعانة بالطائرات العمودية لإيصال المعلمات أسبوعياً لمقر عملهن، ومثل هذا الحل معمول به لدى شركة أرامكو – على سبيل المثال – مشيراً إلى أن قرار لم الشمل الذي هو بحد ذاته رائع إلاّ أنه يبقى هناك تحفظ على آلية تطبيقه وبعض الشروط المطلوبة، التي ينبغى إعادة النظر فيها، مُشدداً على أهمية وجود حد أقصى لبقاء المعلمات بعيداً عن المنطقة التعليمية التي ينتمين إليها، أمّا على المدى البعيد فقد يكون من الأفضل تجهيز شبكة طرق حديثة تربط هذه القرى والهجر بالمدن القريبة منها.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com